أدب المنفى - اللغة، المكان، المحيط الثقافي

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
15/12/2009 06:00 AM
GMT



 في القرن الخامس الهجري ترك رجل بغداد إلى الأندلس من أجل أن يكسب المال مهرا لأبنة عمه التي أحبها، أخفق في مسعاه فمرض ومات. قرأنا القصيدة التي تركها أبو زريق البغدادي تحت وسادته ونحن تلميذات وتلاميذ في المدرسة:
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه   لا تعذليه فإن العذل يولعه
عزم إلى سفرٍ بالرغم يزمعه   ما آب من سفرٍ إلا و أزعجه
للرزق سعياً ولكن ليس يجمعه   تأبى المطالب إلا أن تكلّفه   
فما الذي بقضاء الله نصنعه   وإن تغل أحدأ منا منيتُه

شعرنا بحزن عميق وعرفنا أننا لن نهجر أرض مولدنا لأننا سنجتهد في الدراسة ونكسب خبز يومنا في المكان الذي ولدنا فيه. لكننا وجدنا أنفسنا ذات يوم في وضع لا ينفع فيه النصح، نقف أمام أبواب موصدة، ولم نجد إلا بابا واحدة ضيقة مفتوحة أمامنا، فنفذنا منها كارهين ووجدنا أنفسنا منفيين من الأرض ومن الحياة الثقافية التي كنا جزءا نشيطا منها.

تعريف الوطن والمنفى
ليس الوطن بقعة الأرض التي يحدها من الشمال كذا ومن الجنوب كذا فما هو إذن؟ ذات مرة سئلت في ندوة عامة عن الوطن فقلت موجهة الخطاب إلى الأصدقاء الذين ملأوا القاعة: أيها الأصدقاء أنتم وطني. هذه عبارة لا أستطيع أن أكررها اليوم، فقد تفرق الأصدقاء، وهم في تباعدهم لا يمكن أن يكونوا وطنا. ما هو الوطن إذن؟ أظنه المكان الذي يتعلم فيه المرء الخطوة الأولى والكلمة الأولى، حيث العيش في كنف الأمهات، الوطن هو العلاقة بين الأنا والمكان. أما المنفى فهو كل ما عدا ذلك. 
لا شك في أن مغادرة المكان الأول ليست جديدة في الأدب العربي، وإن اختلفت أسباب الهجرة، واختلفت تبعا لذلك تسمياتها. المهجر كما يكاد يتفق عليه الدارسون لا ينطوي على القسر الذي ينطوي عليه المنفى، يبقي إمكانية العودة مفتوحة دائما، وينطوي على درجة من حرية الاختيار. وكثيرا ما يعتبر بحد ذاته نجاحا، ومن هنا فإن تأثيره النفسي على المهاجر مختلف عن تأثير الهجرة القسرية التي اصطلح عليها المنفى. المنفى هزيمة، تنقطع فيه صلة الكاتب بثقافة مجتمعه التي ترفده بمادة وأدوات عمله، تنقطع صلته بالمتلقي وتزداد الهوة بينهما اتساعا كلما طالت سنوات المنفى. ولكن ما الذي يجعل أدب المنفى موضوعا يثير اهتمامنا اليوم أكثر من أي وقت مضى؟
شهدت العقود الثلاثة الأخيرة هجرة كبيرة للأدباء من مختلف الأقطار العربية، بسبب ظروف الحرب كما حدث في لبنان أو بسبب الإضطهاد السياسي واستحالة العيش في ظل القمع كما حدث في العراق خلال أكثر من ربع قرن، أو بسبب الحرب كما في السنوات التي أعقبت الإحتلال الأميركي. أقام المهاجرون في البلدان المضيفة كمستجيرين، تتحدد إقامتهم باستمرار الظروف التي أدت إلى هجرتهم، أو لاجئين سياسيين. باستثناء عدد قليل إستطاعوا أن يجدوا ما يسهل إقامتهم دون الإضطرار إلى طلب اللجوء.  
جعلت هذه الهجرة الكبيرة جانبا مهما من الأدب العربي ينتج في المنفى بالنسبة للبعض والمهجر بالنسبة للبعض الآخر. الحديث هنا لا يتناول جيل الأبناء، الجيل الذي نشأ في المهجر أو المنفى لأن ثقافة هذا الجيل هي ثقافة البلد المضيف بصورة عامة وإن خالطتها بعض العناصر من الثقافة التي ينتمي إليها الأبوان. وتبقى اللغة العربية بالنسبة لهؤلاء هي اللغة الثانية وحسب. هذا يعني أن أدواتهم اللغوية لا تكفي لإثراء الأدب العربي بنص جديد. قد يستطيعون في أحسن الأحوال أن يكونوا وسطاء في نقل الأدب العربي بترجمته إلى اللغات الأخرى، لكني لا أعرف إلا حالات نادرة من هذا النوع. نحن إذن بصدد جانب من الأدب العربي لا يحميه من الإنقراض إلا تجدد القمع والحروب والأزمات الاقتصادية التي ستدفع بجيل جديد من الكتاب إلى المنافي.
رغم رغبتي تجنب صيغة المتكلم لكنني سأتحدث هنا عن تجرية شخصية، عن منفى دام أكثر من ثلاثة عقود ولا يزال قائما، ورغم أن تجربة المنفى متشابهة بالنسبة للأدباء الذين عاشوا هذه التجربة، إلا أن ثمة اختلافات بين الأشخاص في التعامل مع هذا الوضع الخاص، وبين تعامل الشخص نفسه مع المنفى في الفترات المختلفة من اغترابه.

نص المنفى

اللغة:
اللغة هي وطن أيضا، حملت هذه العبارة معي، وكنت قد قرأتها في مكان ما، قالها كاتب فرنسي ربما يكون أندريه مالرو. وهكذا جهدت أن أحمل هذا الوطن معي، تعلمت لغة أخرى، لكني بقيت في اللغة العربية وطنا. ولأن اللغة ليست حجرا في أحد متاحف التاريخ فهي ستنمو وتتطور سواء في الوطن أو المنفى. ستتأثر لغة الكاتب سلبا أو أيجابا باللغة أو اللغات التي يتعامل معها. وربما تطورت في اتجاه مغاير لتطورها في الوطن. علمتني الترجمة الدقة في استعمال المفردة. فجهدت في استخدام الكلمة التي تقول ما أريد، ولا يسوغ استبدالها بكلمة أخرى دون تغيير في المعنى. في الترجمة تنكتشف الكلمات الفائضة والكلمات التي لا تقول شيئا، حيث يتعذر على المترجم نقل ما لم يفهمه. مقابل هذا يخسر الكاتب في المنفى التماس مع التطور اللغوي في الوطن حيث ترفد الحياة اليومية اللغة بمفردات جديدة وتمنح مفردات قديمة معاني جديدة. ما يحصل عليه الكاتب في الوطن بصورة تلقائية، لا يحصل عليه الكاتب في المنفي دون تقص وجهد.

المكان:
 المكان هو الإطار الذي يقع فيه الحدث، وليس للأشخاص والأحداث وجود خارج المكان. لن يواجه الكاتب مشكلة إذا اختار لنصه المكان الذي يقيم فيه، ولكن ماذا يحدث حين يتخذ من الوطن مكانا لأحداث نصه الأدبي، وهو المكان الطبيعي ما دام يتحرك ضمن ثقافته الأصلية، فالمنفى هو الاستثناء.
واجهت هذه المشكلة وأنا أكتب قصة عن صديقتين، تغادر أحداهما البلد ولا تعود إلا بعد سنوات طويلة، تصل المدينة وترى من نافذة القطار صديقتها بصحبة أطفالها وزوجها الذي بدا شائخا وبائسا، الصورة التي لا ترغب أن تكون فيها. في هذه اللحظة تقرر عدم مغادرة عربة القطار، الذي سيمضي بها بعد قليل إلى مدينة أخرى، وستعود من هناك إلى مكان إقامتها. رغم تطور العلاقات الواضح في القصة واجهت مشكلة تصوير المحطة التي سيتوقف فيها القطار بضع دقائق ثم يتابع رحلته. المحطات التي عرفتها والتي أستطيع رسم صورتها بوضوح محطات أولى أو أخيرة دائما. ينطلق القطار من الموصل إلى بغداد في المساء فيصلها في الصباح، لينطلق في المساء عائدا. والحال لا يختلف مع قطار بغداد البصرة. ربما تغير كل هذا، لكن الصورة التي أستطيع أن أستعيرها هي صورة محطة أوربية مزدحمة، يتوقف فيها القطار بضع دقائق قبل أن يتابع رحلته.
في القصص كما في الواقع لا تحدث الأشياء في الفراغ. يحتاج الكاتب إلى مدن، شوارع، ساحات وغرف يطلق فيها أبطاله. لكن لا الكاتب كشخص ولا المكان كواقع جغرافي اجتماعي يبقيان على حالهما. مع مرور السنوات تصبح الصور القديمة التي حملها الكاتب معه عن المكان الأول، الوطن، أقل وضوحا، يغلفها ضباب النسيان شيئا فشيئا، وتحتل مكانها صور جديدة، صور المكان الذي يعيش فيه، ومهما بلغت يقظة الذاكرة فثمة صور تنسل منها وتستحيل استعادتها. المكان القديم نفسه يتغير أيضا، ولكن بعيدا عن عيون الكاتب. أغلب ما تيسرت لي قراءته من الأعمال التي كتبت في المنفى اعتمدت على الذاكرة أو اتخذت من مدن الإقامة الجديدة مسرحا للأحداث تبعا للموضوعات التي تناولتها.

البيئة الاجتماعية والثقافية الجديدة:
ما أهمية أربع أو خمس روايات أو دراسات في بلاد تقذف المطابع فيها كل يوم ملايين النسخ وتطبع دور النشر فيها آلاف العناوين كل سنة، لا يكاد كتاب يحتل مكانه على الرفوف في المكتبات حتى يزاح ليخلي المكان لكتاب أحدث منه. ولا يجد الكثير من الكتب الرصينة مكانا على هذه الرفوف لأنها لن تتسع إلا للكتب التي تباع على نطاق واسع. لا يعني السوقَ قارئ متطلب يريد كتابا بعينه ويجد في القراءة شيئا أبعد من التسلية، فمثل هذا القارئ يستطيع أن يطلب نسخته وسيحصل عليها أيضا. أما الكتب التي يتوقع لها رواج كبير وتطبع تبعا لذلك بأعداد كبيرة من النسخ فهي إن لم تنته إلى أيدي القراء في الفترة المحددة لها ستباع بعد وقت قصير كبضاعة كاسدة.
حين يختار الكاتب في المنفى أن يكتب بلغة البلد المضيف فإنه يفعل ذلك غالبا مدفوعا بالرغبة في تأمين مستوى معيشة أفضل، واتخاذ الكتابة مهنة. وإذا نجح في نشر واحد أو أكثر من كتبه بلغة بلد المهجر فهو لن يكون سوى واحد من آلاف الكتاب الذين يكتبون بهذه اللغة. وإذا استطاع أن يلفت النظر إليه فغالبا ما يعود ذلك لأسباب لا علاقة لها بالنص الأدبي.
لا ينفصل الكاتب في المنفى عن المناخ اللغوي والمكان وحسب وإنما أيضا عن المتلقي، عن قارئه الذي ستربطه به ساعة قراءة الكتاب علاقة من نوع خاص، الذي سيتلقى النص بامتنان أو سيرفضه، الذي سيجعل من الكتابة عملا ذا معنى، ومن الكاتب كاتبا.
يجب أن أعترف هنا أن هذا ظل منطبقا على الفترة التي عاشها كتاب المنفى العرب حتى دخول الانترنيت إلى الحياة العامة. فقد ظل الكاتب قبل ذلك كمن يطلق صرخة في صحراء فلا يسمع لها صدى.
تغيرت الحال منذ دخول وسائل الاتصال الجديدة في حياتنا فأصبحت تلعب دورا كبيرا في التواصل بين الأدباء أنفسهم من جهة وبينهم وبين القراء من جهة أخرى. واتسعت إمكانات النشر المحدودة سابقا  توسعا لا مثيل له بعد أن كانت تضع الكاتب تحت رحمة الناشر، وتجعل النشر متعذرا في بلدان تحتكر فيها الدولة دور النشر وتعضيد الكتاب.   

صورة المنفي عن نفسه وصورة المقيم عنه:
قبل أعوام قليلة وكانت الصحافة تتابع أخبار مجلس عراقي أعلى للثقافة كتب أحد المشاركين في
 نشاطات المجلس يصف أناقة المثقفين القادمين من المنفى حين وصولهم عمّان ويتحدث عن ضوع العطور
 وملامح الرخاء على وجوههم وقارنهم بالسحنات الكدرة لمثقفي الداخل. هذه صورة خارجية قد لا تكون على خطأ تماما، فما من سبب يجعل هؤلاء المنفيين يبدون بثياب رثة، ووجوه كدرة وهم يعيشون في بلدان يتوفر فيها الماء والصابون وتكفل الدولة الحد الأدنى من متطلبات العيش التي يبدو في بلدان أخرى من العالم رخاء يحلم به الكثيرون. ربما أسهم في خلق هذه الصورة أيضا مهاجرون لم يشأوا أن يعترفوا بهزيمتهم فهم كما في قصتي "هؤلاء الأبناء" "في الرسائل يذهبون إلى الجامعات ويحصلون على أفضل النتائج، أو يعملون في شركات تجارية كبيرة، يربحون الكثير من المال ويسكنون في بيوت تحيطها الحدائق، يتزوجون إبنة مدير الشركة، ويعززون موقعهم في العمل، لكنهم يضعون أنفسهم موضع اللوم" لماذا لا ترسلون إلينا بعض المال؟" ويكون عليهم أن يزدادوا حرصا في نفقاتهم ليوفروا بعض المال، ليرسلوا الدفعة الأولى الى أمهاتهم، لأنهن يحتجن إلى هذه النقود، أو لأنهن يردن،أن يعرفن أن أبناءهن لم يخفقوا، من أجل هذه الإشارة يعيشون على الكفاف، ويعملون بأجر قليل. أم هل ينبغي عليهم أن يكتبوا لأمهاتهم أنهم لم يحصلوا بعد على الإقامة التي تسمح لهم بالعمل؟"
(نشرت القصة في مجلة الاغتراب الأدبي 2002)

 لكن الصورة التي يعكسها نص كتاب المنفى تقدم شيئا مختلفا تماما. إنه النص الذي يتجاوز القشرة الخارجية ويلمس الجرح العميق الموجع، يضع يده على الخراب الروحي الذي يلحق بالإنسان المنفي. فهو في قصتي "ليلة الأحد" عراقي يحصل على اللجوء السياسي، وينجح في الآخر في الحصول على سكن خاص به يؤثثه كما يريد، لكنه يسقط في هذه اللحظة وقد تخفف من جميع المشاكل اليومية في الفراغ. فقد حضر من عرفهم من الضحايا، "حضروا جميعا هذه الليلة ليشاركوه مسكنه الجديد، ليقيموا عنده حتى الصباح، ليملأوا فراغ يومه القادم، يوم أحد مثل كل الآحاد، حيث يكون النهار طويلا، الشارع هادئا والأسواق مغلقة، ولن يجد فيه ما يفعله.
 شعر بالتعب، ولأنه لم يستطع أن يصرفهم لم يستطع النوم أيضا. بحث عن زجاجة الأقراص المنومة التي كتبها له الطبيب حين كان في مجمع اللاجئين، ولم يكن يستطيع النوم يومذاك،  في غرفة يشاركه فيها تاميلي من سريلانكا وغجري من رومانيا. لم يعتد النوم في غرفة يشاركه فيها أحد. أصبحت له غرفة خاصة به منذ أن بلغ سن اليفاعة. كان لا يزال تلميذا في المدرسة الثانوية، أصبحت له غرفة فيها سرير ورف للكتب ومنضدة صغيرة للكتابة، منضدة ألمنيوم وضع قطعة من الورق المقوى تحت إحدى قوائمها لمنع ارتجاجها عند الكتابة.
وجد الزجاجة في الحقيبة القديمة التي أتى بها من بغداد، حقيبة عليها علامة مقلدة لشركة أميركية لإنتاج الملابس الرياضية. عد ما تبقى فيها، سبعة عشر قرصا بالتمام والكمال، عدد يكفي أن يجعله ينام السنوات الثلاثين القادمة، أن ينام ما تبقى من عمره، في مسكن خاص به في شارع كارل ماركس المشجر في برلين." (نشرت القصة في مجلة مشارف، شتاء 2005 )

وفي "الصدع" وهي قصة أخرى لي في كتابي "البحث عن الخلندق"
"لا يعرف جمال من أين أتاه هذا الشعور بالخسارة فجأة. لقد ذهب إلى روضة أطفال لقي فيها رعاية طيبة وحظي بتعليم جيد، درس التاريخ في جامعة حديثة، سافر في العطلات إلى بلدان بعيدة أتى منها بأشياء صغيرة للذكرى ملأت خزانة الحائط في غرفة نومه، عرف أصدقاء لا يكلفونه بما يثقل كاهله، لا يطلبون منه سوى الكلمة المواسية أو المشجعة. لم يعرف الجوع، لم ير قذائف تهدم البيوت وتمزق أجساد البشر ولم يجرب الحياة مع انقطاع الكهرباء وانحباس الماء. فمن أين أتاه هذا الشعور المر بالخسارة؟"

الأمثلة التي تعكس التحولات النفسية للمنفي لا حصر لها، وإذا كان الكاتب مثل أي شخص آخر يشعر في الشهور أو ربما في السنوات الأولى بأنه من الناجين، فإن هذا الشعور لا يلبث أن يتغير شيئا فشيئا ولا يترك مكانه إلا شعورا عميقا بالخسارة. 

salima.salih@googlemail.com